نحن امه اجتمعت علي حب النبي صلي الله عليه وسلم


    جوب السّمع و الطّاعة لولاة الأمور في غير معصية

    شاطر
    avatar
    hichou78
    عضو ماسي
    عضو ماسي

    تاريخ التسجيل : 04/02/2010

    default جوب السّمع و الطّاعة لولاة الأمور في غير معصية

    مُساهمة من طرف hichou78 في السبت فبراير 06, 2010 4:36 pm

    الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، أما بعد: فإنّ السّمع والطاعة لولاة الأمر، أصلُُُ مهمّ ُ من الأصول التي دلَّ عليها كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وتواتر عن السّلف الصّالح - رضي الله عنهم- فعلُه والاهتمام به، والتّركيز عليه، لأنّه لا إمارة إلا بسمع وطاعة، ذلك أنّ السّمع والطّاعة من أعظم الأسس والدّعائم لانتظام أمور الدّول والجماعات، وتحقيق أهدافها ومقاصدها الدّينية والدّنيوية، لأنّ الولاة لا بدّ لهم من أمر ونهى، ولا يتحقق المقصود من الأمر والنّهى إلاّ بالسّمع والطّاعة من الرّعية، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه Sad لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا أمير، ولا أمير بلا طاعة ).

    فالواجب على كل فرد من أفراد الدّولة: السّمع والطّاعة لولاة الأمور، مالم يُأمَروا بمعصية، فإن أُمِرُوا بمعصية فلا طاعة لهم في المعصية، لقوله صلّى الله عليه وسلّم كما ثبت عنهSad لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ ). ولقوله أيضاً : ( إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ ).[متفق عليه].

    كما أنّ على المسلم أن يتذكر: أنَّ طاعة وُلاّة الأمور من أَجَّلِ الطَّاعات، وأفضل القربات، سواء كانوا أئمة عُدولاً صالحين، أم كانوا من أئمة الجور والظّلم، مادام أنّهم لم يخرجوا عن دائرة الإسلام، فإنّ طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه من طاعة الله ورسوله.

    فعلى المسلم الامتثال والإذعان لما يأمرون به من المعروف، وما ينهون عنه من المنكر، طلبا ً لرضى الله سبحانه وتعالى، وامتثالاً لأمره، ورجاء ثوابه، وحذراً من عقوبة المخالفة.

    قال ابن تيمية في المجموع(35/16-17): "فطاعة الله و رسوله واجبة على كل أحد وطاعة وُلاّة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة وُلاّة الأمر لله فأجره على الله و من كان لا يطيعهم إلاّ لما يأخذه من الولاية و المال فإن أعطوه أطاعهم و إن منعوه عصاهم فماله في الآخرة من خلاق".

    وهذا الأصل مأخوذ من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }. [النساء: 59]

    قال ابن كثير في تفسيره:الظاهر والله أعلم أنّها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء

    وقد جاءت السّنة بتأكيد ما أمر الله به من طاعة أولى الأمر، حيث ورد الأمر بوجوب السّمع والطّاعة لولاة الأمور في غير معصية، وتحريم الخروج عليهم وإن جاروا و ظلموا، إلاّ أن يرى منهم كفر بَوَاح، في أحاديث كثيرة، فمن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ).

    وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم Sad اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ).



    وروى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت t قال: ((بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وفي رواية لمسلم: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)).

    وروى مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ، فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)).

    وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: ((مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ)).

    وروى مسلم في صحيحه عن عوف ابن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ ؟ فَقَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)).

    وروى الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة t عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي))

    وقد بوّب البخاري رحمه الله تعالى على هذا الحديث في كتابه الأحكام من (صحيحه).

    فقال باب قول الله تعالى: (( أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأُولى الأمر منكم ))."اهـ

    قال ابن حجر: "وفي الحديث: وجوب طاعة ولاة الأمر، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم: المحافظة على إتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد ". اهـ

    روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ ؟ قال: ((تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ)).

    قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: "فيه الحث على السّمع والطّاعة، وإن كان المتولي ظالما عسوفاً، فيعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه، ولا يخلع بل يتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شره، وإصلاحه".

    وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )).

    وروى مسلم في صحيحه عن حديفة رضي الله عنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قال ( نعم ) قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ ؟ قال ( نعم ) قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قال ( نعم ) قُلْتُ كَيْفَ ؟ قال (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ) قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قال: ((تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)).

    فهذه الأحاديث الصحيحة ـ وغيرها كثيرة ـ قد دلت على : وجوب السّمع والطاّعة لولاّة الأمور في غير المعصية، وتحريم الخروج عليهم، ونزع الطّاعة من أيديهم وإن جاروا وظلموا، إلاّ أن يرى منهم كفراً بَواحًا.

    كما يجب التنبيه إلى: أنّ عدم طاعتهم في المعصية لا يعني عدم طاعتهم مطلقاً، وإنّما المقصود: عدم طاعتهم في الأمر الّذي فيه معصية بخصوصه، مع وجوب السّمع والطّاعة فيما عاد ذلك، كما هو ظاهر الأحاديث التي مرّت معنا.

    وعلى هذا الأصل سار السّلف الصّالح -رضوان الله عليهم- من الصّحابة والتّابعين، ومن بعدهم أئمة الإسلام المتبوعين، وغيرهم من العلماء المشهورين، وقد جاء عنهم في هذا الباب الشّيء الكثير من ذلك.

    ما روى مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرّحمان وِسادة فقال: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: ((مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)).

    فقد أنكر ابن عمر رضي الله عنهما على ابن مطيع خروجه على الخليفة يزيد بن معاوية، مع ما كان عليه يزيد بن معاوية.

    وقد ابتلى إمام أهل السّنّة والجماعة: أحمد بن حنبل ، حيث حصل في زمانه امتحان الخلفاء للنّاس بالقول بـ (( خلق القرآن )) ، فامتنع الإمام أحمد من إجابتهم، وأبى أن يقول ما أرادوا من القول بـ (( خلق القرآن )) . وعارضهم في ذلك، مبيناً الحق الذي يعتقد وهو: أن ( القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق ).

    ومع ذلك كان ملتزما لهم بالطاعة، معترفاً لهم بالولاية، ويحث النّاس على السّمع والطّاعة لهم في المعروف.

    قال ابن حجر في الفتح: "وكان الإمام أحمد يكره تحديث الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان".

    وقال الإمام الطحاوي في (عقيدته): " ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، مالم يَأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصّلاح والمعافات".

    قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية (ص/386) : "وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، لأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصّبر على جورهم تكفير للسيئات، ومضاعفة الأجور، فإنّ الله تعالى ما سلّطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتّوبة وإصلاح العمل".

    وقال ابن تيمية في المجموع (25/ 121): "وأما أهل العلم والدّين والفصل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور، وغشّهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عرف من عادات أهل السّنّة والدّين قديما وحديثا ومن سيرة غيرهم" .

    وقال ابن القيم في أعلام الموقعين( 3/ 4):"هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة...إلى أن قال: بعد أن ذكر أن الشريعة مبنية على مصالح العباد: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنّه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدّهر وقد استأذن الصّحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا أفلا نقاتلهم فقال:لا ما أقاموا الصلاة وقال من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعنّ يدًا من طاعته،ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصّبر على منكر،فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء".

    وقال في الوجه الثامن والتسعون( 3/159): نهيه عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا أو جاروا ما أقاموا الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما هم عليه والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن.

    قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : "أما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق".

    ونقل ابن حجر في الفتح عن ابن بطال قوله: "قد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدّماء وتسكين الدّهماء..".

    وقال الحسن البصري: "اعلم -عافاك الله- أن جور الملوك نقمةُُ من نقم الله تعالى ، ونقم الله لا تقابل بالسّيوف ، وإنما تتقى وتستدفع بالدّعاء والتّوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب".وسمع رجلاً يدعو على الحجاج ، فقال : لا تفعل -رحمك الله - إنّكم من أنفسكم أُتيتم ، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات : أن تليكم القردة والخنازير.

    وكتب رجلاً إلى بعض الصالحين يشكو إليه جور السلطان ،فكتب إليه:يا أخي وصلني كتابك تذكر ما أنتم فيه من جور السلطان ، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة ، وأظن الذي أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب والسلام .

    قال الآجري في الشريعة (ص/28 ): فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام عدلا كان أو جائرا ، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه ، واستحل قتال المسلمين ، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ، ولا بطول قيامه في الصّلاة ، ولا بدوام صيامه ، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج ، وقد روي عن رسول الله r فيما قلته أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين ، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين

    وقال في ( ص/37): قد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى ، وصبر على جور الأئمة ، وحيف الأمراء ، ولم يخرج عليهم بسيفه ، وسأل الله تعالى كشف الظلم عنه ، وعن المسلمين ، ودعا للولاة بالصلاح ، وحج معهم ، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين وصلى معهم الجمعة والعيدين ، وإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم ، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم ، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم ، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته وكف لسانه ويده ، ولم يهو ما هم فيه ، ولم يعن على فتنة ، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم إن شاء الله

    وقال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (ج/3ص/390): ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي r لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته ...فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الامراء يظلمون ويفعلون أمورا منكرة ومع هذا فأمرنا أن نؤتيهم الحق الذي لهم ونسأل الله الحق الذي لنا ولم يأذن في أخذ الحق بالقتال ولم يرخص في ترك الحق الذي لهم..حتى قال: وهذا نهي عن الخروج عن السلطان وإن عصى.

    وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ج/1ص/222 ): وأما النصيحةُ لأئمة المسلمين : فحبُّ صلاحِهم ورشدهِم وعدلهم ، وحبُّ اجتماع الأمة عليهم ، وكراهةُ افتراقِ الأمة عليهم ، والتدينُ بطاعتهم في طاعة الله ، والبغضُ لمن رأى الخروجَ عليهم ، وحبُّ إعزازهم في طاعة الله.. والدعاء لهم بالتوفيق

    وقال الشيخ محمد بن عثيمين في لقاءات الباب المفتوح رقم (45): "من الأصول التي يختلف فيها أهل السنة وأهل البدع:الخروج على الأئمة".نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى أن يوفق الجميع للخير، وأن يمنحهم الفقه في الدّين، وأن يصلح أحوال المسلمين، والحمد لله رب العامين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 26, 2018 4:22 am