نحن امه اجتمعت علي حب النبي صلي الله عليه وسلم


    قصّة موسى مع الخضر 5 للشّيخ ابي اسحاق الحويني حفظه الله

    شاطر
    avatar
    hichou78
    عضو ماسي
    عضو ماسي

    تاريخ التسجيل : 04/02/2010

    default قصّة موسى مع الخضر 5 للشّيخ ابي اسحاق الحويني حفظه الله

    مُساهمة من طرف hichou78 في الجمعة أبريل 02, 2010 9:54 pm

    قصّة موسى مع الخضر 5 للشّيخ ابي اسحاق الحويني حفظه الله

    عناصر الموضوع

    1 التقاء موسى بالخضر و آداب طالب العلم 2 قيام الخضر بأعمال مخالفة للعقل و الدّين في الظّاهر

    3 توقير العالم بعدم الاعتراض عليه


    قصة موسى والخضر [5]

    إن موقف موسى من الخضر يعد درساً لطالب العلم في كيفية تعامله مع شيخه من التواضع له، والتلطف معه، وعدم الاستنكاف من السؤال، حتى ولو كان السائل أفضل وأعلم من المسئول، وبهذه الآداب عمل السلف الكرام، وكانت أفعال الخضر في ظاهرها منافية للعقل، ومع ذلك وعده موسى بأن يصبر وعلَّق هذا بمشيئة الله؛ لأن الواجب تقديم المشيئة على العمل.

    التقاء موسى بالخضر وآداب طالب العلم


    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فكنا انتهينا بعون الله تعالى إلى وصول موسى عليه السلام إلى الخضر، فلما رآه موسى وعرفه بالعلامات التي وضعها الله له، كانفلات الحوت في البحر قال له موسى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا [الكهف:66-71]. ......

    سؤال الأعلم لمن هو أقل منه لا غضاضة فيه

    قد يقول قائل: موسى عليه السلام الأعلم يطلب من الخضر العلم وهو أقل منه منزلة وفضلاً وعلماً!! نعم! ليس هناك أي غضاضة في أن يتعلم الرجل ممن هو أقل منه، وهذا مشاهد في الحياة، فتجد الرجل العظيم الكبير الذي جمع أصناف العلوم يتعلم من رجل لا يفهم شيئاً إلا في مهنة واحدة، فمثلاً: لو ذهب الإمام الشافعي إلى خياط يحيك الملابس، فقال له: كيف تخيط هذا الثوب؟ فيقول له: هكذا وهكذا ويظل يعلمه، فهل بهذه الجزئية صار هذا الرجل أعلم من الشافعي ؟ الجواب: لا. لكن لا يوجد رجل في الدنيا كلها يعرف كل شيء، بل لابد أن يجهل شيئاً ما ويكون هناك من هو أقل بكثير جداً منه يعلم هذه الجزئية. وهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يوجد أفضل منه ولا أعلم، كما في صحيح مسلم أنه مر على جماعة يؤبرون النخل -أي: يلقحونه، يأخذون لقاح الذكر ويضعونه على الأنثى- فقال: (ما أظن هذا ينفع شيئاً) فنزل الأنصار من على النخلة وتركوها، فإن هذا نبي، فانتظروا أوان حصاد أوان التمر فإذا هو شيصٌ أي: (بلح) لا يؤكل، فأخبروا النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: (أنتم أعلم بشئون دنياكم، إنما أنا بشر فلا تؤاخذوني بالظن)، فهو ظن أن هذا لا يجدي شيئاً، فلا يقال: إن فلاناً أعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه علم جزئية من الجزئيات فننزل كلام موسى مع الخضر هذه المنزلة.

    من آداب طالب العلم ملاطفة العالم

    فالملاطفة مع العالم أدب؛ لأنه أفضل منك، فهو معه علم وأنت أقل منه، قال الله عز وجل: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] الجواب: لا. فالذين يعلمون شيء والذين لا يعلمون شيء آخر، ولذلك جعل الله عز وجل أولي العلم من الشهداء على وحدانيته مع الملائكة، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] قدم العلم، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فالعالم لأجل هذا يرفع. وكان الحافظ ابن حجر العسقلاني أحد حفاظ الدنيا ممن أنجبتهم مصر كان له شيخ يسمى الحافظ العراقي ، كان إذا أراد ابن حجر -صاحب كتاب فتح الباري- أن يسأل العراقي مسألة يقف بين يديه ويقول: ما يقول سيدي في كذا وكذا. ولا يقولن رجل: هذا مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له الصحابة: (أنت سيدنا قال: السيد الله) فإن قول ابن حجر لا يخالف هذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ قدم راكباً على دابة، فقال لهم (قوموا إلى سيدكم). فيقول له: ما يقول سيدي في كذا وكذا، حتى لا يوغر صدر العالم عليه، ولا يناديه بكاف الخطاب ولا تاء الخطاب فيقول له: أنت، كما لو كان شخصاً عادياً، إنما يوقره ويحترمه ويرفعه، فيقول موسى للخضر: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66].

    أدب موسى مع الخضر

    وانظر إلى أدب موسى عليه السلام مع الخضر، مع أن موسى أفضل من الخضر، إن كان الخضر ولياً فموسى نبي، والنبي أفضل من الولي، وإن كان الخضر نبياً -وهذا هو الراجح على ما ذكرناه- فموسى يفضل عليه بالرسالة، فموسى أفضل على كل حال، ومع ذلك يقول للخضر بلهجة لطيفة جداً: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66]، أي: أتسمح لي ويطيب خاطرك أن أتبعك شريطة أن تعلمني مما علمت رشداً؟

    آفة المسلمين عدم معرفة حقوق علمائهم

    هذه الآيات تشتمل على آداب طالب العلم، والآفة التي يعاني المسلمون منها أنهم لا يعرفون لعلمائهم حقهم ولا يوقرونهم، بدعوى: (نحن رجال وهم رجال)، لدرجة أنني رأيت موقفاً غريباً جداً كنت أنا أحد الأطراف فيه، شاب ممن يكفر جماعة المسلمين بارتكاب المعاصي والذين أطلقوا عليهم جماعة التكفير. قلت له في مسألة ما: قال ابن عباس كذا وكذا، قال: هم رجال ونحن رجال!! فقلت: أنا أقول لك: قال ابن عباس ، لا أقول لك قال الشافعي ولا أحمد ولا البخاري ولا مسلم ولا إسحاق برغم أنني لو ذكرت هذه الأسماء لوجب عليك أن تنصاع؛ لأنهم أئمة على نقلهم نصلي. قال: هم رجال ونحن رجال. فقلت: إن كنت تقصد بقولك: هم رجال ونحن رجال، في الذكورة فأنا أقر بهذا، أنت ذكر وهو ذكر، لك شارب وله شارب، لك لحية وله لحية، إن كانت الذكورة التي تعنيها هي هذه المواصفات فأنا لا أختلف معك. ولكن إن كانت الذكورة هي العقل ورجاحته والتقوى ورجاحتها فأنا أختلف معك، ولا يخالف أي عاقل في ابن عباس الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل). قال لي: وما يدريك أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم استجيبت؟ سبحان ربي! قال الله عز وجل لعباده جميعاً: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] فتكفل الله عز وجل بمقتضى هذه الآية بأنه إذا دعا أي رجل أية دعوة فإنه يستجيب له ما لم يكن بظلم أو قطيعة رحم، فإن كان الله يستجيب لآحاد الناس ألا يستجيب لنبيه؟ هم رجال، وأما نحن فلا ندانيهم ولا يساوي الواحد منا مسماراً في نعل واحد منهم، كيف وقد فتحوا الدنيا ونصروا الدين على أكتافهم، ونحن متخاذلون، وحياتنا كلها بدع، كانوا في القديم حياتهم بين بدعة وسنة، وكانت هناك بدع، ولكن كان في مقابل البدع سنن، أما نحن الآن فندور بين بدعة وردة، وأغلبنا مقلد لا يعرف شيئاً عن دينه الصحيح إلا الإمام. أين رجولتكم وقد ضاعت بلادكم من بين أيدكم؟ أين رجولتكم وبطونكم في أيدي عدوكم، لا تأكلون إلا فتاتاً يرميها لكم؟ أين رجولتكم؟ هم رجال ونحن رجال في الأسماء، فتشابه الألفاظ فقط هذا رجل وهذا رجل، نبينا صلى الله عليه وسلم رجل وأبو جهل رجل لكن شتان ما بين الرجلين، هذا خير من وطئ الحصى، وذاك شر من وطئ الحصى، وإن اشتركوا في الأسماء الظاهرية فقط. أسلافنا رجال في تقواهم وورعهم وفي كل شيء يفعلونه، فأنظر إليهم في عنفوانهم كيف كانوا يطلبون العلم من العالم، بالرغم من أنه كان في القديم إذا مات عالم تجد مائة ألف عالم، أما في هذا العصر فإذا مات عالم شغر مكانه، وبعد سنوات طوال تجد من يسد مكان العالم، فالعالم جوهرة، يكفي أنه يبين مراد الله في الأرض، وحسبه أنه يفعل كذلك.

    صورة من عدم تأدب التلميذ مع شيخه

    سأعرض عليكم صورة رأيتها بنفسي ليس بيني وبينها واسطة، مَنَّ الله عز وجل عليَّ وصحبت لفترة من الزمان أكبر محدث في هذا العصر وهو الشيخ الألباني، وهذا الرجل جليل القدر جداً، تستشعر كأنه سقط من القرون الأوائل لما عليه من الهيبة، فإن سلوكه لا ينافي قوله. وفيما علمت وأخبرني المخبرون أنه كان إذا عقد مجلساً أرى بعيني شباباً ينامون على ظهورهم بحضرته، ولا أبالغ إذا قلت: إن قدم أحدهم تكون متوجهة أحياناً إلى وجهه، والشيخ ساكت؛ لأن الحياء يمنعه، والحياء يفطر المرء عليه. وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر فوجد رجلاً يعظ أخاه في الحياء -يعلمه أن يستحي- فقال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان). الحياء قرين الإيمان ولا عليك أن لا تعلمه، فالحياء لا يعلم، بل يفطر المرء عليه، ولا خير في رجل لا حياء عنده، فهذا نائم على ظهره والشيخ يفتي أو يلقي درساً من دروس العلم، مع أن الشيخ ناصر الدين الألباني لو مات غداً لظلت الأمة تعاني سنوات طويلة حتى يخلفه رجل مثله، فانظروا إلى شبابنا مع أننا نعاني فقراً في العلماء كيف يعاملونهم، أما أسلافنا فانظروا كيف كانوا يعاملون علماءهم، مع أن العالم فيهم إذا مات تجد مائة ألف عالم يخلفه.

    صورة من أدب السلف مع علمائهم ومشايخهم

    كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يذهب إلى دار شيخ له يسمى شعبة ، فيسمع الحديث مع الطلاب، يملي شعبة الحديث وهم يكتبون، فأراد مالك أن ينتهز فرصة ويسمع الحديث من شعبة وحده؛ لأنه من معلوم لدينا جميعاً أنه في أي مدرسة كلما كان عدد الطلاب أقل كلما كانت الاستفادة أكثر؛ حيث يستطيع المدرس أن يجيب على تساؤل كل طالب، ونحن الآن نعاني إفلاساً حتى في التعليم الدنيوي، فتجد المدرج فيه سبعة أو ستة أو أربعة آلاف، فلو عرضت لأي طالب مشكلة كيف يجيبه المدرس؟ فالمدرس يقول: ما عنده فهم الطالب أو لم يفهم، فكلما قل العدد كلما كانت الاستفادة أكثر، فالإمام مالك يريد أن ينفرد بـشعبة ، فماذا يفعل؟ صلى صلاة العيد، والناس في العادة ينصرفون إلى بيوتهم بعد صلاة العيد، إلا أنه ذهب إلى دار شعبة ، فما طرق الباب، بل قعد على درج البيت على السلم، وهذا مالك ، الإمام الذي ما يقارب ثلث الأمة على مذهبه، وجعل الله له لسان صدق في الأمة، كلما ذكر ترحم الناس عليه، لم يطرق باباً ولم ينادِ إنما قعد على درج البيت. قال شعبة لجاريته: انظري من في الباب يأكل معنا، وكانت أبوابهم مفتحة لا يمنعون مسكيناً. فخرجت الجارية ثم رجعت تقول: يا سيدي مالك في الباب. فقال: ادخل، فدخل. قال: كل. قال: ما لهذا جئت. قال: حاجتك؟ قال: أريد الحديث. قال مالك : فحفظت عنه في هذا المجلس أربعين حديثاً. فانظر لأدبه، لا يطرق باباً ولا يزعجه، احتراماً للشيخ ولعلمه. كذلك أيضاً ابن عباس مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكمل العشرين من عمره بل كان سنه ثماني عشرة سنة، فكان يذهب إلى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الكبار أمثال زيد بن ثابت ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعثمان ، قال ابن عباس : (فكنت أذهب إلى بيوتهم، فربما تلسعني شمس الظهيرة، فلا أطرق على أحد منهم الباب، فإذا رآني قال: يا ابن عم النبي لِمَ لم تطرق الباب لم لم تخبرني فآتيك؟ لشرف آل البيت. فيقول ابن عباس : (بل أنا آتيك، حق العالم على المتعلم) ويحكي لنا رجل أنصاري قال: (قال لي ابن عباس يوماً: ألا تأتي فنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون، فقال الأنصاري يهزأ بـابن عباس : أتظن يا ابن عباس أنه سيأتي اليوم الذي يحتاج فيه إليك، وأصحاب النبي كثر؟!) كأنما يحقر شأن ابن عباس ، يقول: هل تظن أنه في يوم من الأيام سيحتاج الناس إليك، مهلاً يا ابن عباس . قال ابن عباس : (ولم يطاوعني، فذهبت أسأل وأستفيد، فما مات الأنصاري حتى كانت لي حلقة) صار إماماً يفتي. فلما رآه الأنصاري قال: (أفلح الرجل). قصر هو فلم يذهب معه، ولم يقف في حر الظهيرة ينتظر العالم، مع أن هؤلاء الناس الأفاضل كان إذا ترك الواحد منهم عالماً وجد غيره.

    قيام الخضر بأعمال مخالفة للعقل والدين في الظاهر

    قال تعالى: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:66-67] هذه الآية تبين لنا أموراً: الأمر الأول: أن موسى عليه السلام كانت فيه حجة. الأمر الثاني: أن ما سيفعله الخضر ينكره أي عاقل في الدنيا وأي رجل يدين بدين، والخضر يعلم هذا مقدماً، أن أفعاله التي سيفعلها سيخالفه فيها أي رجل عاقل، فظواهرها منكرة حيث يقابل شاباً فيقتله، وأناساً يحملونه في السفينة بدون أجر يخرقها لهم، ويقول لآخرين: نحن جائعون نريد أن نأكل، فيقولون: ما عندنا طعام، ومع ذلك يبني لهم جداراً. ظواهر الحال تقول: إننا يجب أن نعامل هؤلاء بمثل معاملتهم، فالذين حملونا في السفينة بغير أجر، يجب علينا أن نحسن إليهم فلا نتلف لهم السفينة، وولد وضيء كان يلعب مع الصبيان كيف يأخذه ويقلع رأسه؟! والذين استطعمناهم فلم يطعمونا كيف تبني لهم جداراً؟ بل خذ أجراً. والله عز وجل أعلم الخضر لما أوحى له بهذه الأشياء أنها تخالف ما يعلمه موسى. فعلم أي نبي في الدنيا هو ما يصلح به حياة البشر، أي نبي هكذا علمه الله عز وجل ما علمه إلا علماً يصلح حياة البشر، ثم يؤتيه بجانب هذا العلم معجزات وآيات وخوارق ... إلخ تصديقاً له. ......


    طموح الإنسان وآماله أكبر من عمره


    التسوية في المشيئة ممنوع فكيف إذا قدمت؟ وكيف إذا تركت؟ تقول: أنا سأفعل وسأفعل، والله عز وجل كتبك في الأموات وأنت تبني آمالاً وأحلاماً وتقول: السنة القادمة سأذهب إلى فلان، والسنة القادمة سأبني العمارة، والسنة القادمة سأفعل كذا وكذا، وقد نزلت ورقته بأنه سيموت غداً أو بعد غد أو سيموت الشهر القادم وهو يبني أحلاماً وآمالاً لعشر سنين. وفي الحديث الصحيح عند البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم رسم على التراب لأصحابه مربعاً قال: (هذا أجل ابن آدم، ثم رسم خطاً طويلاً خارجاً من المربع، قال: وهذا أمله) ولو ترك المرء وأحلامه لما مات أبداً؛ لأن أحلام المرء أكبر من عمره بكثير، كما أن عين المرء أكبر من بطنه بكثير، وفي يوم الصيام يتصور أنه لو ضرب مدفع الإفطار سيأكل خروفاً وسيشرب برميلاً من الماء، فإذا أكل لقيمات فقط اكتفى وقام، فأمله أكبر من عمره : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] قل إن شاء الله أفعل، كن مؤدباً مع الله سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    وجوب تقديم مشيئة الله على العمل

    قال له: قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف:67-68] أي: كيف تصبر على ما لم يصل إليك علمه وخبره؟ قال له موسى بعدما رآه يتمنع: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69] هنا قدم المشيئة على ذكر الصبر ولم يذكرها مع نفي المعصية: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف:69] قال بعض العلماء: لما قدم المشيئة على الصبر صبر، ولما ترك ذكرها في المعصية اعترض على الخضر وعصى أمره وتركه. وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] فيجب على الرجل قبل أن يبرم أمراً أن يقدم مشيئة الله عز وجل، فإن الله تعالى قدر كل شيء، فتقديم المشيئة أدب، فتقدم مشيئة الله على مشيئتك أنت، ولا يجوز أن تسوي بين مشيئة الله ومشيئتك، ومن باب أولى أن تقدمها عليها. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلاً يقول له: ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده أو ماشاء الله ثم شئت).

    توقير العالم بعدم الاعتراض عليه

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال تعالى: قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:70] هذا توكيد من الخضر أن ما سيفعله يأباه أي عاقل يحكم على ظاهر الأشياء، فقال له: اتبعني بشرط ألا تعترض على ما أفعل. وهنا سؤال بمناسبة هذه الآية، وهو: أننا ذكرنا أن من احترام المتعلم للعالم أن يوقره ويحترمه ولا يكثر من الاعتراض عليه، فهل إذا فعل العالم شيئاً منكراً على الظاهر يجوز الاعتراض عليه؟ وهل الاعتراض عليه يعد سوء أدب مع العالم؟ الجواب يحتاج إلى تفصيل: المنكر في الأمر طريقة الصوفية، أن يقول الشيخ للمريد: (كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل)، وهذا كلام مرفوض بأن ألغي العقل تماماً، فهذا لا يقوله أحد. ونحن عهدنا في مجالس كبار العلماء أنه كان يعترض التلميذ على شيخه ولكن بأدب، فلا مانع من الاعتراض لأن العلم لا يكون إلا بهذا. ......



    نماذج من اعتراض التلاميذ على مشايخهم مع مراعاة الأدب



    دخل الإمام البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه على شيخ له يسمى الداخلي ، قال الداخلي : (حدثنا فلان عن فلان عن فلان) وساق حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له البخاري : (بل هو فلان عن فلان) قال الداخلي : (أتعترض عليَّ)؟ قال: (ارجع إلى أصلك) أي: انظر في كتابك، ففتح الداخلي كتابه فوجد الأمر كما قال البخاري ، فأثنى على البخاري . فليس هناك سوء أدب في عبارة البخاري مع الداخلي ، وإنما صحح له خطأً. ومن الشيوخ الأجلاء الذين لا يعرفهم الناس إنما يعرفهم أهل العلم، نعيم بن حماد من مشايخ البخاري أيضاً، كان يحدث يوماً بحديث، فقال له يحيى بن معين وهو إمام آخر من أئمة هذه الأمة الكبار جداً جداً، قال له: ( بل هو كذا عن كذا وأنت أخطأت ) فأرغى نعيم وأزبد وقال: (تقول لي: أخطأت؟) فقال له يحيى: (أما والله في كتابك كما أقول) فدخل نعيم بن حماد إلى كتابه ففتحه فوجد أن الصواب مع المعترض، فما تكبر عن الحق، ولا قال: أنا شيخ ولا يجوز أن يرد عليَّ تلميذ وهذا إسقاط لهيبتي ...إلخ ويقول الإمام الشافعي يقول: (ما دفع رجل حقاً إلا سقط من نظري، وما أذعن له إلا هبته واعتقدت مودته) ويقول الإمام الشافعي أيضاً رحمه الله: (ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه). المقصود أن يظهر الحق سواء على لساني أو على لسان أخي، لا يتناظر العلماء كأنهم أضداد، كل منهم يرجو أن يظهر على صاحبه، فهذا من حظ النفس، بل هو أخوك. ففي معرض القصاص والقتل رجل قتل رجلاً، ولا يوجد مثل القتل شيء يمكن أن يبغض الرجل الرجل لأجله، ومع ذلك فالله عز وجل يقول: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178]، فقد قاتله ومع ذلك يقول: مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178] فيذكرك أنه أخوك، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ [البقرة:178] وهذا في معرض القتل، فما بالك إذا كان مجرد جدل علمي. ماذا قال نعيم بن حماد ؟ قال: (من الذين يقولون: إن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث، والله إنك أمير المؤمنين في الحديث). لأجل هذا كانت في دروسهم بركة العلم، وكثير من الناس يعظ ويعلم ولا تجد ثمرة، وجزء من هذه التبعة يقع على العالم؛ لأنه لم يخلص النية في علمه (100%)، فهو يقول الشيء ولا يفعله، لذلك لا تجد بركة في علمه. إن احترامنا للشيوخ لا يمنع أن نوصل الاعتراض عليهم ولكن بأدب، قال الإمام الشافعي : تعمدني بنصحك في انفراد ولا تلق النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ونسأل الله عز وجل أن يهدينا للتي هي أحسن وللتي هي أقوم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.

    التغافل في محله مطلوب

    سئل أعرابي: من العاقل؟ وانظروا إلى جواب الأعرابي الدقيق جداً، ولو عمل به المسلم في حياته فلن يجد أية مشاكل، والنوع الذي أقصده تهوين المرء للشيء الذي في غير محله إذا لم يتعلق بأمر شرعي. قيل لأعرابي: من العاقل؟ قال: الفطن المتغافل. هذا هو العاقل، الذي يتغاضى وهو يعلم، وكثير من المشاكل التي تقارف الحياة الزوجية تحتاج إلى هذا الصنيع، حيث تفعل المرأة شيئاً، وهذا الشيء لا يضر كثيراً من الناحية الشرعية، فيعلم الرجل فلا يتركه بل لابد أن يمكث عليه فتحدث مشكلة. وهنا محل جواب الأعرابي، فإن من العقل بعدما عرفت أن الأمر ليس بمهم ولا يتصل بالشرع أن تتغافل أيها الرجل، فالعاقل هو الفطن المتغافل.

    الأدب مع المشايخ لا ينافي الاعتراض عليهم بخلاف الصوفية

    لكن الصوفي عندما يقال له: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل كانت النتيجة أن يفعل الشيخ المناكير -أي: الشيخ باصطلاحهم هم- يفعل كل منكر والمريد لا يعترض أبداً. لهذه القاعدة: كن بين يدي الشيخ كالميت يقلبه المغسل يمنة ويسرة ولو أخذه وطرحه أرضاً ما اعترض. فالأدب مع الشيوخ لا ينافي الاعتراض عليهم
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 8:33 pm