نحن امه اجتمعت علي حب النبي صلي الله عليه وسلم


    جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى للشّيخ ابي اسحق الحويني حفظه الله تعالى

    شاطر
    avatar
    hichou78
    عضو ماسي
    عضو ماسي

    تاريخ التسجيل : 04/02/2010

    default جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى للشّيخ ابي اسحق الحويني حفظه الله تعالى

    مُساهمة من طرف hichou78 في السبت أبريل 03, 2010 8:08 pm

    [color=black][color=blue]جنة الرضا في التسليم لما قدّر الله و قضى لفضيلة الشّيخ ابي اسحاق الحويني حفظه الله و رعاه[/color]


    [color=black]الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ما ينفعنا وما يضرنا، لذلك قد يبتلي سبحانه بعض عباده بالخير والبعض الآخر بالشر، وقد ابتلى سبحانه وتعالى أنبياءه واختبرهم، ومن أولئك الأنبياء أيوب عليه السلام، فقد صبر هذا النبي على البلاء، وحمده لله سبحانه على ذلك.

    الابتلاء سبب في تقوية القلوب



    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. إن الله تعالى كتب الابتلاء على كل فرد، فلا ينجو منه أحد، لكن يبتلى كل إنسان ببلاء يخالف بلاء الرجل الآخر، لكن لا يمضي رجل أبداً -سواء من المؤمنين أو الكافرين- إلا وقد ابتلي في الدنيا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم رسم لأصحابه خطاً مربعاً، ثم مد خطاً من داخل المربع فتجاوز المربع، ثم رسم خطوطاً قصاراً في داخل المربع، وحول هذا الخط الطويل، ثم أشار إلى المربع وقال عليه الصلاة والسلام : (هذا أجل ابن آدم محيط به، ثم أشار إلى الخط الطويل وقال: هذا أمله -أي: أن أمله يحتاج إلى أضعاف عمره- ثم أشار إلى الخطوط القصار حول هذا الخط الطويل وقال: هذه الأعراض إذا نجا من عرض نهشه الآخر). يعني: أن الإنسان في الدنيا لا ينفك أبداً عن عرض يعرض له وعن فتنة تلابسه. إن أعظم منافع التعرض للبلاء هو أنه يجعل القلب قوياً؛لأن القلب إنما يستمد مادة حياته من البلاء؛ولذلك اختار الله عز وجل البلاء لأوليائه وأنبيائه، ترى هل يترك الله عز وجل أولياءه يتخبطون في الأرض؟! لماذا يخرج موسى خائفاً يترقب؟ لماذا يخرج نبينا صلى الله عليه وسلم ويختبئ في الغار؟ لماذا يدال على دولة المؤمنين كثيراً وهم أولياء الله عز وجل؟! لأن القلب يستمد حياته من المحن، ولذلك تجد أضعف الناس قلوباً هم أهل الترف، إما أهل الابتلاء فهم أقوى الناس قلوباً، والعبد يوم القيامة يوزن عند الله عز وجل بقلبه لا بجسمه، قال إبراهيم عليه السلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89]. وصعد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يوماً إلى شجرة، فنظر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه وتضاحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما يضحككم؟ قالوا: يا رسول الله! نضحك من دقة ساقيه -وكان ابن مسعود ضعيفاً شديد الضعف، بحيث أن الرياح إذا هبت كانت تكفؤه، فلما صعد إلى الشجرة رأوا دقة ساقيه فتضاحكوا- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) ؛ ذلك لأن الله عز وجل يزن العباد يوم القيامة بقلوبهم.......


    أيوب عليه السلام أنموذج في الصبر على الابتلاء



    وعندنا نماذج كثيرة من صور المبتلين: أول هؤلاء المبتلين وأشهرهم هو: أيوب عليه السلام، زكاه ربه سبحانه وتعالى فقال: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، وقد روى ابن حبان والإمام أحمد في مسنده قصة أيوب على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: (لبث أيوب في بلائه ثمانية عشر عاماً، فرفضه القريب والبعيد غير أخوين له، وذات يوم كانا يجلسان عنده، فلما قاما وهما بالانصراف قال أحدهما للآخر: تعلم أن أيوب أصاب ذنباً عظيماً؟ قال: ولم؟ قال: لأن الله ابتلاه منذ ثمانية عشر عاماً ما رفع عنه، قال: فلم يتمالك هذا الرجل الآخر إلا أن رجع إلى أيوب عليه السلام، فرجع إليه وقال له: إن أخي يقول: إنك ارتكبت ذنباً عظيماً، وإلا فلماذا لم يرفع عنك الله البلاء حتى الآن؟ فقال أيوب عليه السلام: أنا لا أعرف شيئاً من ذلك، غير أني كنت إذا سمعت الرجل يحلف، فأخاف أن يحنث فأرجع إلى بيتي فأكفر عنه) هذا هو الذي يذكره أيوب عليه السلام، وهذه هي عادة المؤمنين، يكرهون أن يحنث في اسم الله العظيم، قد يكذب نفسه لكن لا يتحمل أن يحنث في اسم الله، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبصر عيسى عليه السلام رجلاً يسرق، فقال له: أتسرق؟ فقال الرجل: والله ما سرقت، فقال عيسى عليه السلام: آمنت بالله وكذبت بصري) تكذيب نفسه أهون عنده من أن يحنث في اسم الله العظيم. وقد ذكر ابن عبد البر -والعهدة عليه في تصحيح هذا الخبر- قال: روينا بأسانيد صحيحة أن عبد الله بن رواحة -وهو شاعر النبي عليه الصلاة والسلام- رأته امرأته يطأ جارية له، فغارت وجاءت بسكين، وقالت له: فعلت وفعلت. قال: ما فعلت؟ قالت: إن كنت صادقاً فاقرأ شيئاً من القرآن. فأنشد عبد الله بن رواحة -والمرأة ما كانت تحفظ القرآن-: شهدت بأن وعد الله حــق وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طـاف وفوق العرش رب العالمين وتحـمله ملائـكـة غـلاظ مـلائكة الإلـه مسومين فألقت المرأة بالسكين وقالت المرأة: آمنت بالله وكذبت بصري. هكذا فإن العبد المؤمن يكره أن يحنث في اسم الله العظيم، يكذب نفسه ويكذب عينه ويكره أن يحنث في اسم الله. كذلك فعل أيوب عليه السلام قال: كنت أسمع الرجل يحلف فأكره أن يحنث في اسم الله، فكان يرجع إلى بيته فيكفر عنه، ثم إن الله تبارك وتعالى امتن على أيوب عليه السلام فقال له تبارك وتعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42]، فامرأته رجعت إليه فوجدت رجلاً صحيحاً معافىً، فقالت له: أي بارك الله فيك! أما رأيت نبي الله أيوب ذاك الرجل المبتلى؟ قال: هو أنا. وهكذا فإن الله تبارك وتعالى منَّ عليه وملأ خزائنه ورضي عنه. وفي الصحيحين: (أن أيوب عليه السلام كان يغتسل عرياناً، فجاء فخذ جراد من ذهب فجعل يحثو في ثوبه، فقال الله عز وجل له: يا أيوب! أو لم أكن أغنيتك؟ قال: يا رب! لا غنى لي عن بركتك). فكان أيوب عليه السلام سيد الصابرين، وضرب الله عز وجل به المثل في القرآن كثيراً، قال صلى الله عليه وسلم: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا). ......



    سلامة قلب أيوب عليه السلام عند الابتلاء



    إن المهم بالنسبة للعبد المبتلى هو سلامة القلب، فلا يضرك ما فاتك من جارحتك إذا سلم قلبك، ما كان عند أيوب عليه السلام إلا قلباً، حتى إن أحاديث الإسرائيليات التي وردت في قصة أيوب فيها روايات تقول: إن أيوب عليه السلام كان الدود يرعى في جسمه، لكنه ما ضره ما فاته من جارحته إذ سلم قلبه. فلا تنظر إلى جارحتك، فأنت لا تدري لعل الله تبارك وتعالى إن تركك صحيحاً كنت من العصاة، فالعجز عن معصية الله نعمة. وهنا تحضرني قصة كنت أحد أطرافها، وملخصها: أن طفل صغيراً عمره تسع سنوات، ولد وفي قلبه ثقب، ثم إن هذا الثقب أثر فيه فكان معاقاً من أطرافه الأربعة، ثم عرضنا أمر هذا الطفل الصغير على بعض أهل الخير فتبرع بكرسي وتبرع بدفع نفقات جلسات كهرباء لهذا الولد الصغير. بدأ الطفل في رحلة العلاج، وسبحان الذي برأه وأعاده مرة أخرى إلى صحته بعد حوالي سبع سنوات! وقف هذا الطفل على رجليه واسترد عافيته، وحين شب صار يعمل في الأعمال اليدوية الشاقة، سافر هذا الشاب إلى العراق من نحو عشر سنوات أو أكثر، ولما ذهب هناك ما ترك معصية إلا فعلها، فعل كل شيء؛ زنى فأدمن الزنا، وشرب الخمر فأدمن شرب الخمر، ثم رجع مرة أخرى وهو يجر أذيال خيبته، ومن حينها ما استقام، وهو حتى الآن لا يصلي! فلو بقي عاجزاً ألم يكن ذلك نعمة له؟ فالله تبارك وتعالى يبتلي بالشر والخير، لكن أحسن الظن بربك، قل: إن الله اختار لي ما فيه الخير، فلو كنت صحيحاً قد لا أكون طائعاً، قد لا أكون ممتثلاً، فإذا أحسنت الظن بالله تبارك وتعالى ضمن لك سلامة قلبك: فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل

    أنموذج عظيم في الصبر على البلاء



    وقد روى الإمام ابن حبان رحمه الله في كتاب الثقات قصة عجيبة لمعوق من أشهر المعوقين في تاريخ المسلمين وهو الإمام الكبير العلم أبو قلابة الجرمي عبد الله بن يزيد وكان من الرواة عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ويروي هذه القصة عبد الله بن محمد . قال: خرجت مرابطاً في عريش مصر ، فبينما أنا أمشي إذ مررت بخيمة وسمعت رجلاً يقول: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19] قال: فنظرت إلى هذا الرجل الذي يدعو فإذا هو معاق، وقد فقد يديه ورجليه، وفقد بصره، وثقل سمعه، فجئته وقلت له: يا عبد الله! إني سمعتك تقول كذا وكذا، فعلى أي شيء تحمد الله؟! فقال له: يا عبد الله! والله لو أرسل الله الجبال فدمرتني، والبحار فأغرقتني، ما وفيت نعمة ربي على هذا اللسان الذاكر، ثم قال له: لقد فقدت ابني منذ ثلاثة أيام، فهل تلتمسه لي؟ وكان ابنه هذا يوضئه ويطعمه، فقلت له: والله ما سعى أحد في حاجة أحد أفضل من حاجتك. قال: فتركته وخرجت أبحث عن الغلام، فما مشيت قليلاً إلا وأبصرت عظمه بين كثبان من الرمل، وإذا بسبع قد افترسه، قال: فوقفت وقلت: كيف أرجع إلى صاحبي وماذا أقول له؟! وجعلت أتذكر، قال: فتذكرت أيوب عليه السلام فلما رجعت إليه سلمت عليه، فقال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى. قال: فماذا فعل ولدي؟ قلت: هل تذكر أيوب عليه السلام؟ قال: نعم. قلت: ماذا فعل الله به؟ قال: ابتلاه الله عز وجل في نفسه وفي ماله، قال: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، قال: ولم يكن ذلك فقط، إنما انفض عنه القريب والبعيد، ورفضه القريب والبعيد، قلت: وكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، يا عبد الله! ماذا تريد؟ فقال له: احتسب ولدك، فإني وجدت سبعاً افترسه بين كثبان الرمل، قال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذرية إلى النار، وشهق شهقة فخرجت روحه فيها، قال عبد الله بن محمد : فقعدت حائراً ماذا أفعل، لو تركته لأكلته السباع، ولو ظللت بجانبه ما استطعت أن أفعل له شيئاً. قال: فبينما أنا كذلك إذا هجم علي جماعة من قطاع الطرق، فقالوا: ما حكايتك؟ فحكيت لهم الحكاية، قالوا: اكشف لنا عن وجهه، فكشفت عن وجهه فانكبوا عليه يقبلونه وهم يقولون: بأبي عيناً طالما غضت عن محارم الله، وبأبي جسماً كان على البلاء صابراً، قال: فغسلناه وكفناه ودفناه، ثم رجعت إلى رباطي. قال: فنمت فرأيته في منامي صحيحاً معافى، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة وقال لي: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] فهذا كان معوقاً لكن سلم قلبه. إن الطب النفسي كله في الوقت الحاضر يعالج شيئاً واحداً فقط، وهو اضطراب القلب، والخوف من المجهول، وأغلب -إن لم يكن كل- الأطباء النفسيين مرضى ويحتاجون إلى علاج؛ لأنهم ينصحون المكتئب بمعصية الله عز وجل. أعرف طبيباً يذهب إليه المتكئب فيقول للمكتئب: هل أحببت امرأة قط؟ يقول له: لا. يقول له: هل لديك علاقة مع أي امرأة؟ يجيب المكتئب: لا. يقول الطبيب: هذا السبب، لابد أن تحب، الحب حياة القلب. يسأله الطبيب مرة أخرى: هل تسمع موسيقى؟ يجيبه: لا. فيقول: لابد أن تسمع الموسيقى حتى ترتاح أعصابك. هؤلاء الأطباء مرضى، وإن الطب النفسي الحقيقي كله موجود في آية في كتاب الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: ( إنا لفي سعادة لو علم بها ملوك الأرض لجالدونا عليها بالسيوف )، السعادة هي: السلام النفسي الذي يشعر المرء به، لو بذل المرء كل غال ونفيس ما استطاع أن يشتري قلب أحد، فالاكتئاب والخوف إنما هو بسبب ضعف هذا القلب. إذاً: الإنسان لابد أن ينظر إلى قلبه، فقوة الجارحة تابعة لقوة القلب، وضعف الجارحة تابعة لضعف القلب، وأنت ترى الرجل القوي الفتي صاحب العضلات المفتولة ربما تقول له خبراً ما يجعله يخر صريعاً على الأرض.. لا تحمله قدماه برغم سلامة العضلة وقوة الجارحة، لماذا سقط هذا الرجل؟ لضعف قلبه، فعزمك في قلبك، لا يضرك ما فاتك في جارحتك. وهناك كثير من أهل العلم والفضل ابتلاهم الله تبارك وتعالى بنوع من أنواع البلاء، فعندنا مثلاً الإمام الأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، وهو من أشهر الرواة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولا يعرف في كتب الحديث إلا بـالأعرج ، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول ، لا يعرف في الكتب إلا بـالأحول ، فإذا قيل: الأحول عن أنس فهو عاصم بن سليمان ، وكذلك الإمام الترمذي صاحب السنن ولد أعمى، والإمام حماد بن زيد -أيضاً- ولد أعمى، وكذلك قال العلماء في ترجمة حماد بن سلمة : كان عابداً زاهداً لو قيل له القيامة غداً ما قدر أن يزيد في عمله شيئاً، وكان حماد بن زيد ضريراً ويحفظ حديثه كله، وهو من الأئمة الثقات الذين عقدت عليهم الخناصر في العدالة والضبط. فنحن يجب أن ننظر نظرة اعتبار إلى هذا القلب، فالقلب ملك البدن، وإذا طاب الملك؛ طابت جوارحه، وإذا خبث الملك خبثت جوارحه، وهذا القلب الذي به قوام حياتك هو في يد الله عز وجل، فأنت لا تملكه ولا تستطيع أن تتصرف فيه، فأحياناً تغلب على حب شيء ما يتلفك وتنفق مالك كله بسببه، وربما فقد المرء سمعته، ومع ذلك يقول: قلبي ليس بيدي، فلو كان قلبه بيده لما كفر ولا جحد ولا نسي الله طرفة عين، لكن قلبه بيد الله عز وجل. وإلى هذه الآية العظيمة الباهرة أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان أكثر يمينه يقول: (لا ومقلب القلوب) إشارة إلى أن هذا القلب لا يحسن أحد التصرف فيه، ولا الهيمنة عليه إلا الله تبارك وتعالى، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف شاء) فالبلاء ليس غضباً من الله تعالى، كما أنه ليس رضا، أعني: أن البلاء ليس علامة غضب أو رضا، ربما يبتلي الله عز وجل العبد في الدنيا ويزيده في الآخرة عذاباً، وربما ابتلاه في الدنيا ليرفع درجته، ولكن ما هو الضابط؟ إن الضابط استقامة المرء على المنهج الحق وعلى طريق الله عز وجل. دخل رجل على أحد أصحابه في القرن الثالث الهجري فوجده مريضاً يئن، فقال له: ليس بمحبٍ من لم يصبر على ضرب حبيبه، فقال له الرجل: بل ليس بمحب من لم يتلذذ بضرب حبيبه.......


    عروة بن الزبير الصابر المحتسب



    وفي الحكاية الصحيحة الثابتة: أن عروة بن الزبير بن العوام -وهو أحد التابعين الكبار- رحل إلى عبد الملك بن مروان ، وكان في رجله مرض ودبت إلى رجله الأكلة، فلما وصل إلى عبد الملك بن مروان استشرى المرض في رجله، فقال الطبيب له: لا حل إلا أن نقطعها لك، قال: وكيف ذلك؟ قالوا: تشرب خمراً حتى نستطيع أن نقطعها لك فلا تتألم. فقال: ما كنت لأستعين على دفع بلاء الله بمعصية الله، ولكن دعوني حتى إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها -لولا أن أسانيد هذه القصة صحيحة لما كاد المرء يصدقها!- قال: فلما دخل في الصلاة قطعوها فما أحس بها، وبعد أيام من قطع رجله، سقط ولده من على سطح الدار فمات، -وكان عنده سبعة أولاد- فبلغ ذلك عروة فقال: اللهم لك الحمد، أخذت واحداً وأبقيت ستة، وأخذت عضواً وأبقيت ثلاثة، اللهم لئن ابتليت فلقد عافيت، ولئن أخذت فلقد أبقيت، قال الله تبارك وتعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].......


    الصبر على البلاء سبب جلب معية الله الخاصة



    أعظم الصبر هو الصبر عن معصية الله عز وجل، أحياناً الإنسان من يأسه وضجره من نفسه ومن المجتمع الذي حوله يبدأ يشغل نفسه بأشياء من اللهو الباطل، ويضيع حياته، لا يا أخي الكريم! كن منارة لهؤلاء الأصحاء الذين لا يشعرون بالنعمة العظيمة التي يتنعمون بها ليل نهار. رجل من الأعيان ومن أغنى الأغنياء في مدينة القاهرة ، ابتلاه الله تبارك وتعالى بمرض خبيث -نسأل الله أن يعافينا وإياكم منه!- فقطعت ساقاه، ومع ذلك هذا الرجل -والله- نزوره لننظر إلى وجهه فقط، فنرى الرضا على وجهه، ولسانه ينطق بالرضا، ومع ذلك لم يرزق ولداً، وله إخوة في غاية العقوق، أخوه يسكن في الشقة المقابلة له في نفس العمارة التي يمتلكونها، يقسم لي بالله أن أخته تظل ثمانية أشهر لا تأتيه، ولا تسأل عنه وبين الباب والباب متر واحد فقط، ثمانية أشهر لا تأتيه، ويدخل في غيبوبة ويفيق من الغيبوبة ولا تأتيه، ولا يأتيه أولادها، ومع ذلك فالله تبارك وتعالى جعل أفئدة الدعاة إلى الله عز وجل تهوي إليه، فمنتدى الدعاة كلهم عند هذا الرجل، تنطق أساريره بالرضا. يذكرني بكلام ذكره شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله، كان يقول: كانت إذا ضاقت بنا الدنيا وأدركتنا الوحشة؛ ذهبنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، حتى يذهب عنا كل الذي نجده. مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أشهر المبتلين؛ فقد سجن سبعة عشر عاماً متفرقات، بسبب فتاويه التجديدية، لقد جدد دين الله تبارك وتعالى، وتحمل الأذى وصبر، ومع ذلك كان هذا الرجل مبتلى؛ إذا جاءوا ونظروا إلى وجهه تبدد ما يجدونه من ضيق النفس، وما هذا إلا للرضا الذي كان يشعر به شيخ الإسلام ابن تيمية . أنت -أيها المبتلى الصابر- في معية الله تبارك وتعالى العامة، وكذلك المعية الخاصة: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] هذه هي المعية الخاصة التي هي أجل من المعية العامة، المهم أن تحسن ظنك بربك تبارك وتعالى، ولا تصرف عمرك ووقتك إلا فيما يرضيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ساعة تمر على ابن آدم لا يذكر الله فيها إلا ندم عليها يوم القيامة). فأقول لكل أخ معاق: كن منارة، واضرب المثل للذين يرفلون في ثوب العافية، اجعلهم يحتقرون أنفسهم عندما يجدونك في الصف الأول في الصلاة، برغم أنك معاق ولا تتمتع بالحرية التي يتمتعون بها، فلعل أحداً ممن يراك يحتقر نفسه، ولربما كنت معلماً وإن لم تكن صاحب لسان. نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما قلناه وما سمعناه زاداً إلى حين المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم والحمد لله رب الوكيل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، العالمين. ......
    [/color][/color]

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 20, 2018 5:18 pm