نحن امه اجتمعت علي حب النبي صلي الله عليه وسلم


    تعظيم الله تعالى والتحذير من سبه وسب دينه محاضرة للشّيخ محمّد حاج عيسى الجزائريّ

    شاطر
    avatar
    hichou78
    عضو ماسي
    عضو ماسي

    تاريخ التسجيل : 04/02/2010

    default تعظيم الله تعالى والتحذير من سبه وسب دينه محاضرة للشّيخ محمّد حاج عيسى الجزائريّ

    مُساهمة من طرف hichou78 في الجمعة أبريل 30, 2010 7:02 pm

    محاضرة ألقيت بمدينة سكيكدة يوم الخميس 9 محرم 1429 الموافق لـ17 جانفي 2008

    إن الله تعالى خلقنا لنعبده ولنفرده بالعبادة ، قال تعالى :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(الذريات:56) والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة





    فالعبادة تشمل أعمالا ظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ، وتشمل أعمالا باطنة أعمالا قلبية كالإخلاص والمحبة والتعظيم والخوف والرجاء والإنابة والتوكل، وهذه العبادات القلبية هي الأساس في هذا التوحيد وهي الأصل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ولا معنى للإتيان بالعبادات الظاهرة إلا إذا صاحبتها الباطنة ومن أهم هذه العبادات عبادة التعظيم والإجلال، قال ابن القيم :« وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهم عن الآخر فسدت ».

    وجوب التعظيم لله تعالى

    1-مما يدلنا على وجوبه أنه من التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء، قال تعالى على لسان نوح :( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) ( (نوح:13-14) والوقار التعظيم .

    2-وقال سبحانه:( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:74) ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، ولله هو القوي الذي بقدرته خلق كل شيء وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وهو العزيز الذي قهر كل شيء وغلبه فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه.

    3-وقوله جل جلاله :( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (لقمان:30) أي إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق أي الموجود حقا والمعبود بحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه لأن كل ما في السماوات والأرض الجميع خلقه وعبيده لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه.

    4-وقال الله عز وجل :( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة:74) أي نزهه عن العيوب وعن النقائص وهذا أمر من الله تعالى واجب امتثاله اعتقادا وقولا وعملا .

    5-ولأن العظمة من خصائصه نهانا عن التكبر وأمرنا بالتواضع، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ).

    أدلة تحريم الشرك في التعظيم

    - ومن أدلة وجوب إفراد الله تعالى بالتعظيم تحريم الإشراك به في الحلف سدا اذريعة الشرك في التعظيم ، لأن الناس إنما يحلفون بما هو معظم عندهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ » ، وفي رواية:« مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ». ومنه فالحلف بغير الله تعالى يكون من باب الشرك الأصغر، إلا إذا اقترن بالتعظيم القلبي الذي لا ينبغي إلا لله تعالى؛ فيكون حينئذ من الشرك الأكبر، وعلى ذلك دلائل كمن يحلف بالله ولا يبالي أكان صادقا أم كاذبا ، فإن قيل له احلف بسيدي فلان وعلان تلكأ وتلعثم تعظيما وإكبارا للمحلوف به.

    - وتحريم الاستعاذة بغير الله تعالى، بأن لا يطلب الحماية والعصمة إلا منه سبحانه، فهو العظيم القادر على كل شيء، قال صلى الله عليه وسلم :« مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِك ». ومن استعاذ بغير الله فقد أشرك به في التعظيم، قال تعالى:(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) (الجـن:6) كان من عادة العرب في الجاهلية إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوءهم، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا أي خوفا وإرهابا وذعرا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم.

    - وتحريم السجود والركوع إلا لله تعالى، قال تعالى:( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون ) ( (فصلت:37)، فمن سجد لغير الله سجود عبادة وتعظيم فقد أشرك شركا أكبر، بل ولا يجوز ذلك ولو كان انحناء يسيرا على سبيل التحية، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لما سجد له على سبيل التحية ، وقال:( فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا).

    أسباب تحصيل عبادة التعظيم

    ومن طرق تحصيل عبادة التعظيم لله تعالى وتقويتها في القلوب:

    1- معرفة أسماء وصفات الجلال التي يتصف بها الرب سبحانه، فالله هو العظيم المستحق لأوصاف العلو والرفعة والكمال، وهو الكبير الذي يصغر دونه كل جليل لكمال قدرته وعظم ذاته وشأنه، وهو المجيد الرفيع القدر الواسع في عظمته وكرمه، وهو القدوس المنزه عن كل عيب ونقص الموصوف بصفات الكمال ، والمتعالي علو المكان وعلو المكانة وعلو القهر، والعزيز الغالب الذي لا يغلب والمنيع الذي لا يتوصل إليه والقوي المتين، وهو الجبار الذي لا يجري في ملكه غير ما يريد، وهو العليم الذي لا يغيب عن علمه شيء مهما صغر ومهما دق.

    2-ومنها تذكر مخلوقات الله العظيمة، فهي تدل على أن خالقها أعظم كالسماوات والعرش والكرسي، قال تعالى:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) (البقرة:255)، قال ابن عباس: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره أحد

    وجاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ( حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَرَأَ :( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه) (الزمر67).

    3 - ومن أسباب تعظيم الله جل وعلا النظر في المخلوقات المشهودة العظيمة في جرمها والصغيرة ، وتأمل دقة صنع الله تعالى، والتكامل الذي بين مخلوقاته وفي نظام الكون وتناسقه قال تعالى : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) (الملك:3) وقال تعالى: ( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) (الذريات:20-21).

    4-ومنها النظر والتدقيق في حكم وأسرار التشريع، وما تضمنته المحرمات من مفاسد، وما تضمنته المباحات والمأمورات من مصالح عامة وخاصة.

    لوازم حصول عبادة التعظيم

    وإذا وجد تعظيم الخالق جل وعلا في النفوس ظهر ذلك في الأقوال والأعمال ومن لوازم ذلك :

    1- تعظيم كلام الله تعالى تصديقا له وعملا به والإنصات له :( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204)، ومن تعظيم الله تعالى وتعظيم كلامه تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن سنته وحي من الله تعالى، قال عز وجل:( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )(النجم:3-4).

    2- ومنها الاستسلام لحكم الله الشرعي بالامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه دون طعن فيها أو رفض لها وهذا من الكفر والردة عن الإسلام، فإنه من رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام خرج عن الملة، وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50).

    3-ومنها تعظيم شعائر الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والحج والصيام والعيدين والأضحية بالمحافظة عليها وإظهارها ومباهاة الأمم بها، قال تعالى :( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32).

    4-ومن تعظيم الله تعالى ودينه اجتناب تتبع الرخص والحيل والزلات، قال تعالى: ( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (الحج 30). قَالَ صلى الله وآله وسلم :« قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا ».

    5- ومنها تعظيم من عظم الله تعالى من عباده كالأنبياء والمرسلين ، وأولهم نبينا ( قال تعالى :( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الفتح:9) وقال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات:2)، والصحابة والعلماء، والصالحين، من غير غلو ولا رفع لهم فوق مرتبهم، والتعظيم الكامل والخالص ليس إلا لله تعالى .

    6-من تعظيم الله تعالى تنزيهه سبحانه عن مماثلة شيء من مخلوقاته الناقصة، مع إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله، فما عظّم الرب جل جلاله من مثله بشيء من خلقه أو كيَّف صفاته، ولا عرف قدره من عطَّله عما يستحقه من صفات دالة على علوه وعظمته، ولا من خاض في مسائل الجوهر والعرض، وكما قيل الممثل إنما يعبد صنما والمعطل إنما يعبد عدما، ومن سار على عقيدة الإثبات والتنزيه التي خلاصتها في قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى11) فهو من المعظمين لله تعالى إن شاء الله.

    7- ومن تعظيم الله تعالى ألا ننسب إليه الشر، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« والشر ليس إليك» ، وقال تعالى : ( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (آل عمران:182)، فإذا أصبنا بمصيبة فالله تعالى هو خالقها وموجدها ولا شك، ولكن تعظيما لله وتنزيها له ننسبها إلى أنفسنا لأننا نحن المتسببون فيها.

    8- ومن لوازم التعظيم أيضا الرضا بحكم الله الكوني والاستسلام للقضاء والقدر، وعدم السخط عند المصائب والتضجر من الابتلاءات، فإن من قدس الله ونزهه اتهم نفسه، ومن قل تعظيمه لله تعالى تجده دائما يحتج على الله تعالى، وربما نسبه إلى الظلم بلسان الحال أو القال.

    9- وكذلك من لوازم التعظيم لشأنه ذكره وتمجيده والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفات الجمال والجلال التي اتصف بها، قال :( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180).

    ناقض التعظيم

    في الختام نأتي إلى ذكر ناقض من نواقض التعظيم لله تعالى ليس ينقصه بل يهدمه من أصله كما يهدم المحبة أيضا ، وهو سب الله تعالى وسب دينه والاستهزاء به بشعائر دينه ، وهذا الأمر من أعظم المنكرات الشائعة اليوم في بلادنا الجزائر، وقد استهان بها الناس فشاب عليها الكبير وشب عليها الصغير ، وأصبحت في ظن أقوام رمزا للرجولة، وهي والله لؤم وعدم مروءة ودلالة على الضعف وانعدام الفحولة، وقبل ذلك وبعده هي أصرح عبارات الكفر بالله والخروج عن ملة الإسلام، وأعظم أسباب الخلود في جهنم والحرمان من رحمة رب العالمين وشفاعة سيد المرسلين.

    جهل الناس بمراتب المعاصي

    وإن كثيرا من الناس مع علمهم بالتحريم يظنون أن هذا من العمل من جنس المعاصي التي يكفرها الاستغفار والأعمال الحسنة، وهو في الواقع ردة عن الإسلام .

    والمعاصي قسمان :

    القسم الأول : معاص تدخل في باب الكفر والشرك بالله تعالى من مات عليها، حكمه الخلود في جهنم سواء كان كافرا أصليا أو كان ممن ولد بين المسلمين، لا يورث ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومن هذه المعاصي السجود للقبور والأصنام والطواف بها ودعاء أصحابها ، وممارسة السحر وإهانة القرآن ورفض أحكامه والاستهزاء بالدين وشعائره ومنها أيضا سب الله ودينه ورسوله، وهذه المعاصي على من وقع فيها عالما بتحريمها أن يدخل في الإسلام مرة أخرى، لا ينفعه عند الله تعالى إلا ذلك.

    القسم الثاني :

    معاص لا تدخل في الكفر وإنما تدل على ضعف الإيمان ونقصه(ومنها الصغائر ومنها الكبائر ) من مات عليها دون توبة لم يخرج من الإسلام ، ويستحق العقوبة في الدنيا وفي القبر وفي أرض المحشر ويستحق دخول النار أيضا ، ومعنى قولنا يستحق أن الله تعالى إن شاء غفر له بفضله وإن شاء عذبه بعدله فهو من أهل الوعيد- وهذا حكم من لم يتب كما قلنا -، ثم إذا دخل النار فإنه يبقى فيها بحسب معاصيه ولا يخلد فيها، لأننا نعتقد أن الموحدين تنالهم شفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين، ومنهم من يخرج برحمة أرحم الراحمين.

    أصل الإيمان وكماله

    وقد يقال لماذا تكون بعض المخالفات مخرجة من الإسلام والبعض الآخر غير مخرجة موجبة للعذاب الشديد دون خلود؟ فنقول إن للإيمان أصلا وكمالا ، فأما الأصل فهو الذي يفارق به المسلمون أهل الكفر والإلحاد، وهو الإيمان بالله وبرسوله وبدينه، الإيمان الذي يجتمع فيه الإقرار والمحبة والإخلاص والتعظيم والقبول والانقياد ، والأعمال والأقوال التي ذكرنا في القسم الأول من الكفر أكبر، لأنها تنافي أصل الإيمان القلبي وتنقض عقد لا إله إلا الله ، فالساب لا يحب تعالى ولا يعظمه -وإن زعم ذلك بلسانه-، والمهين للقرآن الرافض لأحكامه غير معظم لله وغير قابل لدينه -وإن زعم ذلك بلسانه-، والداعي للأصنام والقبور والمستغيث بها غير مخلص لله -وإن زعم ذلك بلسانه- وهكذا.

    وأما المعاصي المدرجة في القسم الثاني، ومنها الزنا والسرقة والكذب وغيرها؛ فهي لا تنافي الإيمان القلبي، ولكنها تدل على ضعفه ونقصانه وهي تنقض كمال الإيمان الواجب ( هو فعل الواجبات وترك المحظورات) الذي يستحق صاحبه الجنة ابتداء، فمن وقع في هذا الجنس من المعاصي فلضعف محبته لله لا لانتفائها، ولنقص تعظيمه لا لخلو قلبه منه، فافترق الحكم لافتراق الحال.

    أدلة كفر ساب الله ودينه

    1- قول الله تعالى :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) (التوبة:65-66) ، وهذا نص صريح في كفر المستهزئ بالله وآياته ورسوله كفرا أكبر والساب مثله بل أولى منه بالكفر، لأن السب متضمن لمعنى الانتقاص والاستخفاف الذي يدل له الاستهزاء والسخرية ، قال ابن تيمية في الصارم المسلول (3/976): » والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته… فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع، ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرا « .

    2- وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً) (الأحزاب:57) قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية:"هذا يشمل كل أذية قولية وفعليه من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه أو ما يعود إليه بالأذى"، واللعن هو الطرد من رحمة الله وقد صرح أنهم ملعونون في الدنيا والآخرة فدل على كفرهم ، واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية على وجوب قتل من سب الله أو رسوله، فقال (2/87): »فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله « .

    3-وقوله تعالى :( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )(الأنعام 108) وفي هذا دلالة على أن السب أعظم من مجرد الشرك ، قال ابن تيمية(3/1026):»ومن المعلوم أنهم كانوا مشركين مكذبين معادين لرسوله، ثم نهى المسلمون أن يفعلوا ما يكون ذريعة إلى سبهم الله، فعلم أن سب الله أعظم عنده من أن يشرك به ويكذب رسوله « .

    4-وقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (الحجرات:2) وجهه التهديد لمن رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وجهر له بالقول بحبوط الأعمال أي بطلانها وذهاب أجرها وهذه العقوبة ليست إلا لما يكون كفرا من الأقوال والأعمال، وذلك أن رفع الصوت هذا قد يكون مصحوبا باستخفاف وعدم احترام وتوقير فإن كان كذلك فهو كفر محبط للعمل ، وإذا كان هذا شأن من رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون حال من سبه وأهانه مباشرة؟ وكيف يكون حال من سب الله تعالى وسب دينه ؟!

    5- دليل الإجماع، وقد حكاه غير واحد من العلماء ففي الصارم المسلول (2/15-16) عن إسحاق بن راهويه قال:" أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل … أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله"، وعن محمد بن سحنون أنه قال:" أجمع العلماء على أن شاتم النبي المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر". وقال ابن حزم في المحلى (11/411):" وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد"، وقال القاضي عياض في الشفاء (2/582):"لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم".

    هل الغضب عذر ينفي الكفر عن الساب؟

    وليس الغضب أو سوء الأدب مما يعذر به الساب عند الله تعالى أو عند القاضي المسلم، مثله مثل المازح والمستهزئ، وقد شدد العلماء جدا في هذا الأمر لأنه أكبر من مجرد الكفر كما سبق، قال ابن تيمية (3/1017) :" من سب الله تعالى فإن كان مسلما وجب قتله بالإجماع لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر، فإن الكافر يعظم الرب ويعتقد أن ما هو عليه من الدين ليس باستهزاء بالله ولا مسبة له"، وقال ابن قدامة في المغني:"من سب الله تعالى كفر سواء كان مازحا أو جادا"، بل نص بعضهم على إقامة حد القتل حتى على من زعم أنه أخطأ أي لم يقصد السب ففي المعيار للونشريسي (2/345) سئل ابن أبي زيد القيرواني عن رجل لعن الله فقال إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني فأجاب ابن أبي زيد:" يقتل بظاهر كفره ، ولا يقبل عذره وأما فيما بينه وبين الله فمعذور"، وكل ذلك تعظيما منهم لشأن هذا الجريمة، ومما يقال لمن يتذرع بالغصب لماذا لا تسب والديك عندما تغضب؟ لماذا لا تجد إلا اسم ربك وخالقك والمنعم عليك فتسبه أو تسب دينه؟ إن مسارعة العبد إلى سب الله ودينه عند الغضب دليل على ضيقه بدين الإسلام، وبغضه الشديد لربه سبحانه.

    هل تقليد الآباء عذر ينفي الكفر عن الساب؟

    وبعض الناس يقول إننا نشأنا على ذلك الأبناء يتعلمون السباب والشتم من الآباء ويقلدونهم في ذلك، وليس هذا بشيء فإن هذا القول كقول إننا نشأنا على عبادة الصليب ووجدنا آباءنا يعلقونه فعلقناه، وهذا كقول كفار العرب( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف:22) ، فهل نفعهم ذلك؟ وننبه أخيرا إلى أن إقامة الحدود، حد الردة أو ترك الصلاة أو غيرها، وإنما هو للحاكم المسلم، وليس لكل الناس إقامته ، والمطلوب من كل مسلم يحب الله ورسوله ويغار على دينه أن ينذر الناس ويحذرهم من هذه الظاهرة الخطيرة، ببيان حكمها عند الله تعالى ونقل أقوال العلماء الربانيين في ذلك ، بيانا للحكم وإقامة الحجة وقطعا العذر، والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد وهو الحسيب الذي يحكم بين العباد وجامع الناس ليوم لا ريب فيه لا رب سواه آخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

    http://islahway.com/index.php?option=com_content&view=article&id=179:2010-02-22-12-55-40&catid=53:2010-03-07-10-52-35&Itemid=79

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 8:33 pm